الشيخ محمد الصادقي الطهراني
357
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم
لبغية غائبة ف « ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ . . » . أجل « قالُوا يا شُعَيْبُ » لأنك في شق صلاتك ونحن في شق آخر فلا تجاوب بيننا ولا تفاهم ، ولأنك لا تقول صالحا تقبله العقول . إذا « ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ » وهكذا تقول الجاهلية المتحضرة نسخة حاضرة عن الغابرة وعلى طول الخط ، تقول أمام كافة الحجج الرسالية البالغة « لا نفهم » حطّا لموقعها عن أن تفهم ، وأنها لغز وأساطير لا يفهمها الفاهمون ، وإعذارا لأنفسهم ألّا حجة فيما لا يفهمه المكلفون . أجل « ما نَفْقَهُ كَثِيراً مِمَّا تَقُولُ » فلا قوة لك في الحجة تفهم أو تفحم « وَإِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً » لا تقوى علينا ، ولا تعني « ضعيفا » أنه أعمى كما قيل ، فقد يكون الأعمى أقوى من البصير ، وأن العمى ليست نسبية ، وهنا « فينا » تختص ضعفه بذلك الظرف ، فلا قوة لك في هذه اللجة تفحم ، فتحملنا على قبوله بتأمل أو تعمّل ، اللّهم إلّا رهطك ، « وَلَوْ لا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ » وهو أنحس عذاب وأتعسه ثم « وَما أَنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ » لا عزة الحجة ولا عزة القوة ، فأنت بيننا ضعيف ضعيف لا دور لك إلّا كور ، وإنما العزيز المانع من رجمك هو رهطك بعزة المنعة أم عزة الكرامة أماهيه . فحين تفرغ النفوس من العقلية الصالحة وتغرق في الجاهلية الطالحة الكالحة ، فإنها تقبع على الأرض بشهواتها ومصالحها الحيوانية ، إذا فلا ترى حرمة لدعوة كريمة ، ولا تتحرّج عن أي بطش بالداعية الصالحة ، إلّا أن تكون عصبة تعصبه وتؤويه ، أم قوة مادية أخرى تحميه ، وأما حرمة الحق وكرامته فلا وزن لها ولا ظل في هذه النفوس النحيسة الذليلة الفارغة الخاوية !